القرطبي

384

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

حتى لا يشذ أحدهم عن المعاملة ، وكان منهم من يكتب ومن لا يكتب ، أمر الله سبحانه أن يكتب بينهم كاتب بالعدل . الثالثة عشرة - الباء في قوله تعالى " بالعدل " متعلقة بقوله : " وليكتب " وليست متعلقة ب‍ " كاتب " لأنه كان يلزم ألا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه ، وقد يكتبها الصبي والعبد والمتحوط ( 1 ) إذا أقاموا فقهها . أما المنتصبون ( 2 ) لكتبها فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولا مرضيين . قال مالك رحمه الله تعالى : لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون ، لقوله تعالى : " وليكتب بينكم كاتب بالعدل " . قلت : فالباء على هذا متعلقة ب‍ " كاتب " أي ليكتب بينكم كاتب عدل ، ف‍ " بالعدل " في موضع الصفة . الرابعة عشرة - قوله تعالى : ( ولا يأب كاتب أن يكتب ) نهي الله الكاتب عن الاباء . واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد ، فقال الطبري والربيع : واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب . وقال الحسن : ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر على كاتب غيره ، فيضر صاحب الدين إن امتنع ، فإن كان كذلك فهو فريضة ، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره . السدى : واجب عليه في حال فراغه ، وقد تقدم . وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله " ولا يأب " منسوخ بقوله " ولا يضار كاتب ولا شهيد " . قلت : هذا يتمشى على قول من رأى أو ظن أنه قد كان وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان أن يكتب ، وكان لا يجوز له أن يمتنع حتى نسخه قوله تعالى : " ولا يضار كاتب ولا شهيد " وهذا بعيد ، فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من

--> ( 1 ) اضطربت الأصول في رسم هذه الكلمة ، ففي ب : " والتخوط " وفى ح‍ ، ه‍ ، ج : " والمسخوط " وفى ا ، " والمسخوط " وفى ط : المسحود . وأيضا اضطرب رسمها في تفسير ابن عطية ، ففي التيمورية : " والمستحوط " وفى ز " والمسخوطة " ولعل صوابها " والمتحوط " . ( 2 ) وردت هذه الجملة في الأصول وتفسير ابن عطية لأبي حيان هكذا : " أما أن المنتصبين لكسبها لا يجوز . . . الخ " وهي بهذه الصورة غير واضحة .